حقُّ المرأةِ فـي مساواةِ الرجلِ بالتعليم

 د. رابعة العبيدي

“لا يمكن وجود مجتمع عادل ومحق من غير تحقيق المساواة في التعليم بين الرجل والمرأة، ويمثل اليوم الدولي للمرأة فرصة لنا جميعا لنقف في وجه التمييز والتهميش اللذين يضعفان مجتمعاتنا”.
“المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوكوفا”

إن اليوم العالمي للمرأة الذي يتم الاحتفاء به منذ عام 1977، هو مناسبة للتذكير بأن من واجبنا جميعاً العمل لتحقيق المساواة بين الفتيات والفتيان في الوصول إلى التعليم بهدف التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة في جميع المجالات.
يعتبر حق المرأة في التعليم دون تمييز هو أهم الحقوق وجوهرها والقاسم المشترك لجميع القيم الانسانية والشرائع الدينية والدنيوية، لأن التعليم يؤهل المرأة للتمتع بمزايا جميع الحقوق والقيم. ويتوقف تمتع المرأة بالكثير من الحقوق المدنية والسياسية وحرية استقاء المعلومات وحرية التعبير وحرية التصويت والترشيح والكثير من الحقوق الأخرى على مستوى تعليمها والفرص المتاحة لها في التعليم. وكذلك فإن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مثل الحق في اختيار العمل والحصول على أجر مساوٍ للرجل والتمتع بفوائد التقدم العلمي والتكنولوجي والحصول على التعليم العالي، لا يمكن ممارستها بطريقة مجدية إلا بعد حصول المرأة على مستوى جيد من التعليم.
تشير بيانات منظمة اليونسكو لسنة 2009 إلى أن نسبة الأمية في الوطن العربي هي نحو 30%، وترتفع بين النساء لتصل إلى نحو 50%، وأن أعلى نسبة للأمية موجودة في بلدان عدة وعلى رأسها العراق بنسبة 61%. وتشير البيانات الإحصائية حول واقع الأمية في الدول العربية أن عدد الأميين في الفئات العمرية التي تزيد على 15 عاما بلغ قرابة 99.5 مليون نسمة، فيما وصل عدد الأميين العرب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و45 عاما ،(75 مليون نسمة).
إن شقاء المرأة العراقية التي تدور حول حلقة مفرغة لا يكمن في حرمانها من التعليم فقط، بل ايضا في منظومة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والصحية ومنظومة القيم الثقافية والموروث الاجتماعي التي تجعل من الدعوة لتحسين وضع المرأة التعليمي غير مجدية ومفرغة من المضمون. وكما يبدو أن المرأة العراقية، وخصوصا بعد إحتلال العراق، تستمتع في الدوران حول حلقة الشقاء المفرغة هذه كونها أصبحت غير واعية لمسؤولياتها في الدفاع عن حقوقها، التي من ضمنها:
1. التحديات المرتبطة باختلال ميزان المساواة وتكافؤ الفرص بين الجنسين في التعليم:
إن عدم المساواة بين الجنسين في مجال التعليم يشكل أكثر مظاهر الإجحاف تفشياً في المجتمع العراقي، لأنه يؤثر عمليا على نصف عدد السكان.
2. التحديات المتعلقة بالثقافة السائدة والموروث الاجتماعي في تعليم المرأة العربية:
إن النظرة الاجتماعية التقليدية في المجتمع العراقي وبخاصة في الأرياف والبادية والتجمعات السكانية الشعبية وفي المناطق النائية والمهمشة تعتبر أن الوضع الطبيعي للمرأة هو الزواج وحياة البيت وتقسم الأدوار بناءً على هذا التمييز.
3. التحديات المرتبطة بالمشاركة في الشأن العام وصنع القرار:
غياب العلاقة بين التوسع فى تعليم المرأة والوزن النسبي لما تمارسه من تأثير فى صنع الحياة من حولها. وإن غياب هذه العلاقة بين التعليم والمشاركة فى الحياة السياسية والاجتماعية ترتبط بمنظومة من القيم لا تزال تحكم على المرأة باعتبارها تابع وأن جلَّ مشاركتها فى كثير من الأحوال غالباً ما تكون منزلية، فضلا عن ارتباط ذلك ببعض الجوانب القانونية والسياسية والموروثات الثقافية السلبية التي تعيق بصورة مباشرة وغير مباشرة مشاركة المرأة الرجل فى العمل السياسي، التي لا تزال حكرا على الرجل باستثناءات حالات قليلة هنا أو هناك.
4. التحديات المرتبطة بالعمل والمشاركة فى الحياة الاقتصادية:
غياب العلاقة بين التوسع في تعليم المرأة والوزن النسبي لما تمارسه من تأثير في الحياة الاقتصادية.
5. التحديات المرتبطة بتأنيث الفقر:
تتميز النساء العراقيات بهشاشة أوضاعهن في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة بسبب انخفاض مستويات التعليم لديهن بالمقارنة مع الرجال. ويميل الفقر إلى أن يصيب النساء أكثر من الرجال ويؤدي فقر النساء إلى تكثيف البُعد النوعي لجوانب عدم المساواة خاصة في ما يتعلق بتوزيع ثمار التنمية وعدم المساواة في الحصول على فرص العمل وعدم المساواة في الأجر بالمقارنة مع الرجل.
كلنا يعلم أن احتمالات التحاق الفتيات بالمدارس تقلُّ في مختلف أنحاء العالم، وتقلُّ أكثر من ذلك احتمالات ‏إتمامهن التعليم الأساسي، مقارنة بالفتيان. وفي بلدان كثيرة، ومنها العراق، تواجه الفتيات عوائق أكبر كثيراً تحول ‏دون التحاقهن بالمدرسة. فالتقاليد المترسخة والفقر وقصور المرافق وعدم وجود حكومة قوية هي بعض العقبات الكثيرة التي تؤثر بدرجة غير متناسبة على الفتيات وتعوق ‏تعليمهن.‏
وما دامت الفتيات يُترَكن متخلفات، فإن أهداف تعليم جميع الأطفال وكفالة التنمية البشرية الحقيقية لا ‏يمكن أبداً أن تتحقق. فالبنت التي تُحرم من التعليم تكون أكثر عرضة للفقر والجوع والعنف ‏والإيذاء والاستغلال والاتجار بها والإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز والوفاة ‏النفاسية، وهي تركة قد تنتقل إلى أطفالها.‏
إن تعليم الفتيات هو بالتأكيد وسيلة مضمونة لزيادة الإنتاجية الاقتصادية، وخفض وفيات الطفل ‏والوفيات النفاسية، وتحسين الحالة التغذوية والصحية، والحد من الفقر، والقضاء على فيروس ‏نقص المناعة البشرية/الإيدز وغيره من الأمراض.‏
إن إلحاق مزيد من الفتيات بالمدرسة الآن ستكون له أيضاً مردودات هائلة بالنسبة للجيل المقبل. ‏فالبنت التي تحصل على تعليم جيد من الأرجح أن تُسهم مساهمة كاملة في الحياة السياسية ‏والاجتماعية والاقتصادية وأن تصبح أُمّاً من الأرجح أن يبقى أطفالها على قيد الحياة، وأن يكونوا ‏أفضل تغذية ويلتحقوا بالمدرسة هم أنفسهم، وستكون أكثر إنتاجاً في المنزل وستحصل على أجر ‏أفضل في مكان العمل كونها أقدر على حماية نفسها وأطفالها.‏
إن أفضل سبيل لضمان استمرار تعليم الفتيات هو إزالة ‏العقبات التي تُبقي الفتيات خارج غرفة الدراسة، وهي: بُعد المدارس عن المنزل بُعداً كبيراً، ‏وعدم وجود مياه مأمونة وصرف صحي مأمون، ‏والتمييز، وخطر العنف، وأهم من كل ذلك هو الأعراف العائلية والعشائرية المتخلفة.‏
وهذا التحدي هو تحدٍ صعبٌ ويتطلب جهوداً متكاتفة من قبل الحكومة ومن أكثر من منظمة دولية واحدة. فاليونيسف هي الوكالة الرئيسية في ‏مبادرة الأمم المتحدة لتعليم الفتيات، وهي شبكة تضم معاً حكومات، وبلداناً مانحة، ووكالات أخرى ‏تابعة للأمم المتحدة، ومنظمات غير حكومية، وشركاء آخرين لكفالة إتمام جميع الأطفال التعليم ‏المدرسي الابتدائي بحلول عام 2015، ومع تكافؤ فرص حصول الفتيات والفتيان على جميع ‏مستويات التعليم.‏
وحول هذا الشأن، سلَّطت اليونسكو الضوء على إظهار أهمية تأمين المساواة في التعليم بين الفتيان والفتيات بهدف تحقيق التنمية المستدامة في العراق. وهذا يؤكد أن لا مساواة هناك بين تعليم الفتيات والفتيان في العراق، وقد أكد ذلك مدير مكتب اليونسكو في العراق، حيث قال، “لم يتم تحقيق المساواة في التعليم بعد في العراق، ولا بدَّ من بذل المزيد من الجهد لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية والتعليم للجميع الداعية لإلغاء التمييز بين الرجال والنساء على جميع المستويات بحلول 2015”. وها نحن في بداية عام 2017 وما زالت الفوارق بين تعليم الفتيات والفتيان كبيرة جداً، وخاصة في المناطق النائية حيث لم تحظَ معظم النساء بالتعليم الأساسي وبالرغم من أن اليونيسكو قامت بالمساعدة في تحسين قدرات الفتيات على الوصول إلى التعليم النوعي وبرامج التدريب ونشر الوعي في المناطق النائية حول أهمية تعليم الفتيات.
إن المساواة بين الجنسين هي حق إنساني أساسي ومضاعف للتنمية في الوقت نفسه، غير أن العراق لا يبدو على الطريق الصحيح لتحقيق أهداف التعليم للجميع، حيث تكمن الحلقة الأضعف في تعليم النساء والتعليم الثانوي للفتيات.
والمؤلم في الأمر، حسبما أكدته اليونسكو، أن النساء يتأثرن بشكل خاص بنقص التعليم والأمية، ولا سيما في المناطق الريفية، حيث تقترب نسبة أمية النساء اللواتي أعمارهن بين 15 و24 عاما إلى حدِّ 50% فيما تقدر هذه النسبة على المستوى الوطني بنحو 20%.
كما أن إحصاءات حديثة تشير إلى أن معدلات التعليم في العراق منخفضة في صفوف النساء على جميع المستويات التربوية، فمقابل كل 100 فتى مسجّل في صفوف التعليم الابتدائي، هناك أقل من 89 فتاة، فيما تستمر هذه النسبة بالانخفاض مع تقدم المستوى التعليمي.
ووجد تقرير لمجموعة البنك الدولي الذي يحمل عنوان “القدرة على التعبير عن الرأي والولاية” أن نحو 65% من النساء اللواتي حصلن على التعليم الابتدائي أو أقل على مستوى العالم تزوجن وهن أطفال، ويفتقرن إلى التحكم في موارد الأسرة، ويتغاضين عن ضربهن، بالمقارنة مع 5% ممن أكملن التعليم الثانوي.
وإستخلص التقرير نتائج من مخزون ضخم من البيانات ومئات الدراسات أن المعوقات التي تواجهها النساء والفتيات حول العالم، من تفشي العنف ضد المرأة إلى القوانين والأعراف التي تمنعها من التملك والعمل واتخاذ القرارات التي تمس حياتهن كان بسبب إفتقارهن للتعليم.
ولهذا، يجب على السلطة التنفيذية تعميم مراعاة قضايا المساواة بين الجنسين في مختلف مراحل التخطيط التربوي – بدءاً من تخطيط البنية الأساسية، ومروراً بإعداد المواد التعليمية، وانتهاءً بالعمليات التعليمية ذاتها، والمشاركة الكاملة والمتكافئة للنساء أساسية الأهمية لكفالة مستقبل مستدام نظراً لأن:
• أدوار الجنسين يمليها المجتمع ويجري تعلّمها من جيل إلى آخر؛
• أدوار الجنسين هياكل اجتماعية ويمكن تغييرها لتحقيق الإنصاف والمساواة بين المرأة والرجل؛ تمكين المرأة أداة لا غنى عنها للنهوض بالتنمية والحد من الفقر؛
• عدم المساواة بين الجنسين يقوّض قدرة المرأة والفتاة على ممارسة حقوقهما؛
• كفالة المساواة بين الجنسين للفتيات والفتيان يعني تكافؤ الفرص في ما بينهم في الالتحاق بالمدارس وتكافؤ الفرص في أثناء التقيد بالدراسة.
في بلدان أوروبا الغربية والعالم الغربي بشكل عام، هناك قوانين توجب على الطفل أن يتم دراسته الثانوية من دون تسريب مقبول ويكون الوالدان مسؤولين مسؤولية مباشرة عن تنفيذ ذلك. نحن نتمنى أن تقوم السلطتان التشريعية والتنفيذية بسن قوانين توجب على الأطفال التعليم حتى نهاية الدراسة المتوسطة، على أقل تقدير، وتكون العائلة (الوالدين) مسؤولة مسؤولية مباشرة عن إستمرار تعليمهم حتى الإنتهاء من تلك المرحلة الدراسية.

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *